عبد الملك الجويني

18

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولو وكل كافر مسلماً في عقد الجزية له ، فهذا جائز ؛ إذ ليس في نفس العقد صغار ، وإنما الصغار في التأدية . 11444 - ثم مقصود الفصل : الكلامُ في أقل الجزية ، وفي التزام الكافر مزيداً على الدينار ، فأما الأول ، فدينار في السنة ، أو اثنا عشر درهماً مسكوكة من النقرة الخالصة . ويقابَل الدينار بعشرة في القواعد إلا في الجزية ، فإنه باثني عشر درهماً ، ورأيت في كلام الأصحاب ما يدلّ على أن الأصل في الجزية الدينار ، ولا يقبل الدرهم إلا بالسعر والقيمة ، كما أنا نجعل نصاب السرقة ربع دينار ، ولا اعتبار بالدراهم ، وهي بمثابة السلع تقوم بالذهب وهذا متجه ، ولولا قضاء عمر في الترديد بين الدينار والاثني عشر درهماً ، لما كان لاعتبار الدراهم وجه . والأخبار كلها مشتملة على ذكر الدنانير . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ : " خذ من كل حالم ديناراً أو عِدْله معافر " وهي ضرب من الثياب ، " وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل أيلةَ ثلاثمائة دينار ، وهم ثلاثمائة نفر " ( 1 ) . فأقل الجزية دينار ويستوي الغني والمتوسط والفقير المعتملُ الكسوب ، والأولى للإمام أن يماكس من يضرب الجزية عليه حتى يزيد على الدينار ، ولكن هذا إنما ينفع إذا لم يكن باذل الجزية عالماً بأن أخذ الجزية واجبٌ إذا بذلوها ، مع العلم بأن الدينار لو اقتصروا عليه ، لزم قبوله ، فإذا علم الكافر ذلك ، فلا معنى للمماكسة معه ؛ فإنه استماحةٌ ، ولو بذل الكافر أكثر من دينار ، والتزم في السنة دينارين فصاعداً ، لزمه الوفاء بما التزمه ، وهذا يشبهه الأئمة بشراء الرجل المطلَق ( 2 ) المتاع بأكثر من ثمن المثل ، وإذا جرى ذلك ، لزم الثمن بكماله . ثم قال الأئمة : من آثار المماكسة في الابتداء أن يلتزم الجزية إذا لم يكن عالماً بحكم الإسلام في أقل الجزية ، وليس على الذي يعاقده أن يبين له ذلك ، وإن جاء

--> ( 1 ) حديث ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل أيلة ثلاثمائة دينار وكانوا ثلاثمائة نفر ، أخرجه الشافعي عن أبي الحويرث مرسلاً ( ترتيب المسند : 2 / 427 ) ، ومن طريقه البيهقي في الكبرى ( 9 / 195 ) . ( 2 ) المطلق : غير المحجور .